حياة المسلم في بريطانيا: من وجهة الجيل الثاني

بقلم شاهين الرحمن

عندما وصل الجيل الأول من الجالية المسلمية إلى بريطانيا، كان واجبهم بناء المساجد والكتاتيب، وإجراء الصلوات الخمس، وتعليم قراءة القرآن فيها. وكان المهمّ عندئذ فتْح دكاكين ومطاعم تخدم لحم الحلال، إذ بريطانيا دولةٌ علمانية (وإن كانت نصرانيةً من حيثُ ثقافتُها). اجتهَدُوا في تعلُّم اللغة الإنجليزية، وحاوَلُوا أن يجدوا مسلمات فيتزوجوا منهنّ، حتى يتربى الجيل الثاني في أسرة مسلمة.

أما الآن، بعد حوالي خمسين أو ستّين سنة، فليس واجبنا بناء المساجد، بل إقامتها، وإقامة الإسلام، والتطبيق العمليّ في معاشراتنا ومعاملاتنا. لذا، لا يصلح لرجل كبير السن – الذي لا يحسن اللغة الإنجليزية – أن يكون إماماً في المسجد ولا خطيباً ولا معلماً، عملاً بقوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ ﴾ [إبراهيم: 14/4].

بل يجب لعامة الناس (فضلاً عن أئمة المساجد) أن يتعاملوا مع غير المسلمين كما يتعاملون مع المسلمين. وعليهم أن يتحدثوا مع وسائل الإعلام عند الحاجة – والحاجة فعلاً ماسّة – فيدافعوا عن الإسلام ويردّوا الشبهات المثارة بين الناس، من قضيّة الإرهاب، ومسألة الحجاب، ونظريّة التطوّر (وخلْق أبي البشر آدم عليه السلام)، وتقسيم الميراث، وكيف يواجهون الشذوذ الجنسيّ، وغيره كثير. وهذا يقتضي أن يمارسوا عِدّة مهارات، وأن تكون لهم خبْرة بعلم الاجتماع، وعلم تاريخ بريطانيا، وتاريخ الفكر الغربيّ، وغيرها من الفنون المهمّة.

وأيضاً، يجب أن يكون لهم اطّلاعٌ على علم النفس، حتى يتعاملوا مع المسلمين الجدد (من أصول بريطانية، أو إفريقية، أو هندية، أو صينية، وما إلى ذلك) تعاملاً مناسباً، حتى لا يرتدّوا عن دينهم، نفرةً من الإسلام والمسلمين. هذا من واجب المسلم البريطاني (والمسلمة البريطانية) العاديّ.

أما أهل العلم منهم، فلا يكفي تعلّم المسائل البسيطة، بل يجب على الإمام أن يعلم أمهات المسائل على المذاهب الأربعة حتى يخرج عن الخلاف، علماً أن الجاليات المسلمة في بريطانيا تتدين الله ﷻ بمختلف المذاهب. وهكذا يجب أن يُعِدّ خطب الجمعة والعيدين ولا يقرأ من كتابٍ أُعدَّ قبل حوالي مائة سنة، فيه دعواتٌ لسلطانٍ توفّي قبل عدة عقود. ويجب أن تكون هذه الخطب تلائم الظروف التي تطرأ على العباد والبلاد.

ويجب أن يعرف ظروف الجاليات المسلمة في منطقته خاصة وفي بلاده عامة، كما يجب أن يعلم ثقافات المسلمين من شتى الدول الإسلامية؛ لأن المسلمين في بريطانيا من جنسيّات عديدة – فمنّا البنغلاديشي، والصومالي، والباكستاني، والأفغاني، والهندي، والسعودي، والفلسطيني، والمصري، والتركي، والكردي، والعراقي، واليمني، والمغربي، وما إلى ذلك. ويقال: «من لم يعرف أهل زمانه، فهو جاهل».

ومثل هذا كله يحتاج إلى جهد عظيم – وتجد الكثير من الشباب يجتهدون في أن يصلحوا لأن يكونوا أئمة المستقبل. تقبل الله جهودهم، وبارك فيهم.

وهنا تقع المشكلة: كيف يستهلك علماء الغد جهودهم وأوقاتهم القيّمة في خدمة الإسلام والمسلمين إذا كان كل واحدٍ منهم يعلم جيّداً أن الراتب لا يكفي حاجته، فضلاً عن حوائج امرأته وعائلته؟ وعليها تتفرّع مشكلة أخرى عظيمة: ما الذي يُتوقّع من الأجيال المستقبلة من عامّة المسلمين في بريطانيا إذا اضطُرّ أمراؤها وعلماؤها إلى كسب المعاش، والعمل في الدكاكين والمطاعم، وقيادة سيارات أجرة، وما إلى ذلك؟

ريثما نقدّم حلّاً لهذه المشاكل، لا بدّ لمسلميْ بريطانيا أن يستقيموا على الإسلام حسب وُسْعهم، وأن لا يخافوا في الله لومة لائم. وقد قال عبد الله الثقفيّ رضي الله عنه لنبيِّنا محمد ﷺ: يا رسول الله، قلْ لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: «قل: آمنت بالله، ثمّ استقِمْ».[1]


[1] رواه مسلم في «صحيحه» (38).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *